جمال الدين بن نباتة المصري
76
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
من غنّى له ، وضرب الدّنانير والدّراهم ، وليس التاج ، ووضع العشور . وكان على كتفه سلعتان « 1 » يحرّكهما إذا شاء ، وادّعى أنهما حيّتان يهوّل بهما على الضعفاء ، وذكر أنهما يضربان عليه فلا يسكنان حتى يطليهما بدماغى إنسانين يذبحان له في كلّ يوم ؛ وكان له وزير صالح ، فكان يستحيى أحدهما ويضع مكان دماغه دماغ كبش ، ويأمر الرجل باللّحوق بالجبال ، وألّا يأوى الأمصار . فيقال : إنّ الأكراد من تلك القوم لكردهم إلى الجبال . ثم كثر فساد الضحّاك وطالت مدّته ، فاجتمع الناس على أفريدون ابن جمشيد ، وكان قد ترعرع ، فاستعدّ لقتال الضحّاك ، وكان بأصبهان رجل حدّاد يقال له كأبى ، قتل له الضحاك ولدين ، فاجتمع عليه خلق كثير ، وكانت له قطعة جلد يتّقى بها حرّ النار ، فرفعها على رمح وجعلها علما ، وسار إلى الضحاك والنّاس معه ، فخرج إليه ، فلمّا رأى ذلك العلم ألقى اللّه تعالى في قلبه الرّعب ، فانهزم ، وأراد الناس أن يملّكوا كأبى ، فأبى وقال : لست من بيت الملك ، فملّكوا أفريدون بن جمشيد ، وصار كأبى عونا له . وقتل الضّحّاك ، وقيل : مات منهزما . وعظم علم كأبى ، ورصّعته الملوك بالدرّ واليواقيت ، وكانوا يقدّمونه أمام الجيوش وقت الحرب فينصرون به ، وكان عندهم كالتّابوت في بني إسرائيل ، ويعرف هذا العلم « بدرفش كابيان » ، ولم يزل في خزائنهم يتوارثونه إلى زمن يزدجرد بن شهريار ، فأخذه المسلمون في وقعة القادسيّة ، وحمل إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، فقسّم جواهره في الناس . ومما اتّفق من الحكايات المستطرفة في أيام الضّحاك ؛ أنه لمّا طالت مدّته وفساده ، اجتمع الناس على بابه وكأبى الحدّاد معهم ، فلمّا دخل - وكان جريئا قال له :
--> ( 1 ) السلعة هنا : غدة تظهر بين الجلد واللحم ؛ إذا غمزت باليد تحركت .